السيد محسن الأمين

85

أعيان الشيعة ( الملاحق )

لغيره نفعا ولا ضرا الا بأمر الله تعالى ( قوله ) فمن نادى الله إلى قوله فان الدعاء من العبادة إلخ ستعرف تفصيل الجواب عنه بما لا مزيد عليه في فصل الدعاء والاستغاثة وان طلب الشفاعة والاستغاثة بمن جعله الله شافعا ومغيثا لا يدخل في ذلك وقد بان من ذلك انهدام ما بناه على هذا الوهم الفاسد من الأسئلة والأجوبة الفاسدة بقوله إذا كانوا مشركين وجب جهادهم إلخ والسؤال الذي بعده المتضمن لقصة أسامة وجوابه المتضمن تشبيه المسلمين بطلبهم الشفاعة من النبي ( ص ) واستغاثتهم به ليدعو الله لهم باليهود المنكرين بعض الأنبياء المتمسكين بشريعة منسوخة وببني حنيفة القائلين ان مسيلمة نبي أو الذين اعتل لقتلهم بمنع الزكاة التي وجوبها من الضروريات وبأصحاب عبد الله بن سبا القائلين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنت الله وبمنكري البعث وبالخوارج الذين هم أشبه الناس بالوهابية كما عرفت في المقدمات والذين أنكروا حب علي بن أبي طالب وهو من ضروريات الإسلام واستحلوا دماء المسلمين وكفروهم كما أنكر الوهابيون حرمة قبر رسول الله ( ص ) ووجوب تعظيمه وهي من ضروريات الدين وجعلوه وثنا وصنما واستحلوا دماء المسلمين وكفرهم ( قوله ) هذا جهل بمعنى العبادة فإنها لا تنحصر فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد إلخ كأنه يريد انهم يعتقدون فيهم انهم يقدرون على ما يطلب منهم فيصنعون ما يتفرع عن الاعتقاد من الدعاء والنداء إلخ ( فنقول ) هذا جهل منه واضح فالمتشفعون والمتوسلون من المسلمين بالأنبياء والأولياء والصالحين لا يعتقدون فيهم انهم يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا وان الأمر كله لله وانما يعتقدون فيهم ما جعلهم الله له أهلا من الشفاعة والوسيلة وإجابة الدعاء وانه ميزهم على غيرهم من الخلق وقربهم منه بطاعتهم له فمعتقد ذلك فيهم مصيب لا مخطئ فلذلك يدعونهم ليشفعوا لهم عند من جعل لهم الشفاعة ويتوسلون بهم إلى من جعل لهم الوسيلة ويستغيثون ويستعينون بهم ليسألوا الله في قضاء حوائجهم ويحلفون بهم لأن لهم قدرا وشانا عند الله تعالى بإطاعتهم وستعرف في فصل الحلف انه لا محذور فيه وينذرون النذور ويهدون ثوابها إليهم إلى غير ذلك فهذا الاعتقاد لا مساس له بالعبادة حتى يجعل اسها ورأسها والمتفرع عنه لا ضرر فيه ولا محذور ( قوله ) وقد ذكر العلماء ان من تزيا بزي الكفار صار كافرا فمع انا لم نر ذلك في كلام العلماء ولو فرض فلا دليل عليه وانما يكون آثما . فيه ان قياسه بما يفعله المسلمون قياس فاسد لما عرفت من أن ما يصدر من المسلمين لا محذور فيه والعجب من هؤلاء تارة يجعلون ما ينسبونه إلى العلماء حجة وتارة يكفرون جميع المسلمين عالمهم وجاهلهم ولا يعباون بما استمرت عليه سيرتهم جيلا بعد جيل ( قوله ) ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافرا ( أقول ) قد عرفت انهم يكفرونه بذلك إذا قالها استهزاء أو عنادا أو اعتقادا لا مطلقا كما يقتضيه كلامه ( قوله ) فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقادا وقولا وفعلا قد عرفت انه لم يعتقد الا ما هو الواقع ولم يقل ولم يفعل الا ما هو الصواب . وقال ابن تيمية في رسالة الواسطة « 1 » في جواب مسألة عن رجلين تناظرا فقال أحدهما لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فانا لا نقدر ان نصل اليه 85 بغير ذلك : ان أراد انه لا بد من واسطة تبلغنا امر الله فهذا حق ( إلى أن قال ) وان أراد انه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل ان يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار ( إلى أن قال ) فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل ان يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين ( إلى أن قال ) ومن أثبت مشائخ العلم والدين وسائط بين الله وخلقه كالحجاب بين الملك ورعيته يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله انما يهدي ويرزق بتوسطهم فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله تأدبا أو لأن سؤالهم أنفع لقربهم فهو كافر مشرك يجب ان يستتاب فان تاب والا قتل انتهى . ( والجواب ) ان ما ذكره من القول بأنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار أو ان المشايخ وسائط كالحجاب بين الملك ورعيته والله لا يهدي ولا يرزق الا بتوسطهم غير موجود لأحد من المسلمين فسواء كان جعل ابن تيمية له كفرا وشركا صوابا أو خطا لا يضر أحدا وذكره له تطويل بلا طائل فلا نطيل برده وان كانت دعواه الإجماع على التكفير بالأول غير ثابتة ولا مستند لها ومن الذي عنون هذه المسألة الفرضية وتكلم على حكمها من المسلمين حتى يدعى إجماعهم على ذلك على أن مجرد سؤال غفران الذنب وتفريج الكرب ونحو ذلك لا يعد غلطا وخطا فضلا عن أن يكون شركا وكفرا لأنه محمول على الصحة من باب المجاز في الاسناد بإرادة الاسناد إلى السبب كما فصلناه في المقدمات وفي تضاعيف ما مر كما أن حكمه بكفر وشرك من أثبت المشايخ واسطة على النحو المذكور واستحلال دمه ان لم يتب . لو فرض وجود من يعتقد ذلك لا دليل عليه وهو تهجم على الدماء وتقول على الله لأن الظاهر أن مراده انهم وسائط وشفعاء إلى الله في ذلك لا انهم يفعلونه من أنفسهم كما صرح به في قوله ومن أثبت مشائخ العلم إلى قوله فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله تأدبا ( ودعوى ) انها كعبادة الأصنام والاعتقاد فيها يدفعها ما مر ويأتي مفصلا من أن عبادة الأصنام وأشراك عابديها ليس من هذا القبيل نعم اعتقاد ذلك غلط وخطا اما ان معتقده كافر مشرك فلم يقم عليه دليل ان لم يقم على عدمه . وذكر الجبرتي في حوادث سنة 1218 ان الوهابي أرسل كتابا إلى شيخ الركب المغربي ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته وفيها بعد المقدمة ما نصه : ان الرسول ( ص ) أخبرنا بان أمته تأخذ ماخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ( ص ) لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن و أخبر في الحديث الآخر ان أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على مثل ما انا عليه اليوم وأصحابي إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها الا رب الأرض والسماوات وكذلك التقرب

--> ( 1 ) صفحة 66 - 70 طبع المنار بمصر .